“عمو عل صيفي بليز”

“الموسيقى التي تعجبني، وهواء المكيّف البارد الذي يشعرني بالحيوية، على مقعد مريح، والنوافذ مغلقة منعاً لأيّ ازعاج خارجي…”

نعم، هكذا كانت رحلتي في سيارتي الخاصة، قبل أن أبدأ بركوب سيارات الأجرة من العمل وإليه. لم أقدّر نعمة السيارة الخاصة إلاّ بعد أن بدأت أختي عملاً جديداً صادف موقعه أبعد من مقرّ عملي، فأمست سيارتنا وسيلتها للتنقل، لتقطع بها المسافة الكبيرة نحو العمل.

وأحب أن أروي لكم حكايتي التي تحدث معي كل يوم منذ أسابيع قليلة، فقد وجدت نفسي أخوض تجربة جديدة، لا تضيف إلى حياتي إلا التوتر والعصبية وهي ركوب سيارة الأجرة.

تقع جامعتي في منطقة الحمرا، وكذلك منزلي، وما إن أنتهي من صفوفي، حتى أتجه إلى عملي في منطقة الصيفي، وهنا يبدأ مشوار العذاب. “عمو، عالصيفي بليز!”، فيومئ لي سائق الأجرة برأسه رافضاً وبطريقة غير لائقة. عشر دقائق تمضي، وأنا أنتظر “الفرج”. أعي مدى التعب الذي يشعر به سائقو الأجرة، والساعات الطوال التي يمضونها خلال اليوم وهم يجولون الطرقات باحثين عن لقمة عيشهم، ولكن هذا لا يعطيهم الحق بالتصرف بوقاحة وعصبيّة أو باستهزاء تجاه من يريدون الركوب معهم، فقط كون طريقهم لا تتناسب مع الطريق التي سيسلكون.

“عمو عالصيفي بليز!” فيجيب بنبرة عالية “ايه مبلا”، ساخراً. لكن إن كنت يا “عمّو” لا ترغب بإيصالي، لا بأس، مادام طريقنا مختلفاً. ولكن لا يوجد داع للاستهزاء بنا، نحن مستقلّو سيارات الأجرة. أقف متسمّرة قرب الحائط، وأنا أنتظر أن يحّن عليّ أحد السائقين. فمنهم من لا تتوافق طريقي معهم، والآخرون يقولون: “تاكسي؟!”

إن كنت لا تملك سيارة، فأنت حتماً تخضع لحكم مملكة سائقي الأجرة. هم يتحكمون بك ويحكمون عليك. يتحكمون بك إن استقلّيت سيارتهم، حيث يجولون بك في أرجاء مملكتهم الشاسعة، قبل أن يتسلل الألم و”الدوخة” إلى دماغك. ويحكمون عليك عندما تكون مواطناً صالحاً فتصعد، وأما إن رفضت، لاكتظاظ سيارته أو لأنه غيّر المنطقة، فيستهزئ بك، و”يبربس” بالحديث عنك.

أشعر أحياناً برغبة في الصراخ عالياً، وتارة أشعر باليأس فأقرر عدم الذهاب للعمل والعودة إلى المنزل، ولكن ما ألبث أن أجد نفسي أنتظر السائق التالي لأقول له “عمو، عالصيفي بليز!”. خمس دقائق أخرى تمضي ولا أزال على الحال نفسه، والحائط ما زال جاثماً قربي! تمرّ الدقائق ببطء ولا أزال مكاني منتظرةً من “ينقذني”، “سرفيسين!”، يقول لي أحد سائقي النمرة الحمراء، ويقصد أن أدفع له عن راكبين إثنين فأومئ إيجاباً وعلى وجهي ضحكة كبيرة كمن وجد “المليون”. “لوين عمو قلتيلي؟”، “عالصيفي”، فيجيب “آه ايه، لوين عالصيفي؟” “عبيت الكتائب!”. ان كنت محظوظة، يكون السائق سعيداً راضياً عن نهاره، أما إن كان “عمو معصب”، فأنا سأضطر إلى الإصغاء إلى زنّه المتواصل عن ارتفاع سعر البنزين وكيف أنه حتى “سرفيسين ما بتوفّي معو”. أما الجملة الشهيرة التي لا بدّ منها في سيارة الأجرة فهي “ليكي العجقة، ليكي، شو هالبلد هيدا ما في نظام ولا دولة!”. أحاول الحفاظ على هدوئي، والاستماع إلى تذمره، ولكن الجو حار جداً، وأبواق السيارات لا تنفك تعلو و”عمو بعد ما خلّص نقّ”. أنظر إلى ساعتي فألاحظ أني تأخرت على عملي، ولكن ما العمل، ليس ذنبي عدم توفر سائقين الى المكان الذي أذهب إليه. أشرد لدقائق فأتذكر كلام رفيقتي التي تقضي معظم وقتها في “السرفيس”، “أوف شو هيدا، الواحد بيتبهدل ألف مرّة قبل ما يوصل على بيتو!”، للأسف كلامها صحيح!

“هوني منيح؟”، أنظر حولي فأجد نفسي بعيدة عن عملي نحو العشر دقائق مشياً، فأجيبه “لأ مش منيح”، فيلتفت ويقول لي “إيه بس ما فيني روح أبعد من هيك، ليكي العجقة يا عمو!”، أنظر اليه راغبة بتفجير غضبي في وجهه، وأسأله لماذا أقلّني مادام لن يوصلني إلى المكان المناسب. يقاطعني صوت السيارات وصراخ السائقين: “يلا يا عمي يلا!”، فأجد نفسي مجبرةً على الترجل من السيارة والذهاب مشياً إلى العمل وأنا أفكر عما سيكون عليه الأمر عندما أنتهي من الدوام، ويكون السؤال هنا: “عمو عالحمرا بليز!”

لمن لم بمرّ بهذه التجربة مسبقاً، قد يظن أن انتظار سيارة أجرة عملاً سهلاً، ولكن بعد عدد من المحاولات الفاشلة والرفض المتكرر من قبل السائق، يصبح الوصول الى المكان المنشود مهمة صعبة، بل شبه مستحيلة، فتبدأ التفكير بشراء سيارة ( في حالتي سيارة أخرى)… بعد تفكير آخر، ربما من الأفضل إنتظار “السرفيس” لبعض الوقت، ولا “وجع الراس” بقسط السيارة والبنزبن وغيار الزيت وركن السيارة

هذا المقال نشر في جريدة حبر،العدد ٧ -٢٣ حزيران

Advertisements

5 Comments »

  1. bahaafe Said:

    🙂 بفهمك ……

  2. Pascal Assaf Said:

    وأنا بفهمك كمان
    عذاب الوقفة
    والانتظار
    والأسوء عندما يبدأ السائق بالتحليل السياسي والوضع الاقتصادي للبلاد

  3. Haitham Al-Sheeshany Said:

    كلنا مواطنون من الدرجة الألف في مملكة سائقي سيارات الأجرة
    !
    شكرا ً لك

  4. Liliane/funkyozzi Said:

    يعني زبلتو لَ تلميذي وهو يحكي معي وانا نش قادرة وقّف قراءة مقالك… فعلا captivating! و الله يعينك ع هل بلد

  5. Doha Said:

    أحلى شي بس ليقلك سائق التاكسي
    “شو هالمسخرة”
    هيدا بس لمّا ما يعجبوا المكان اللي رايحة عليي
    🙂


{ RSS feed for comments on this post} · { TrackBack URI }

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: